عبد المنعم الحفني

1581

موسوعة القرآن العظيم

1236 - ( السمع والأبصار والأفئدة ) هذه الجوارح الثلاث هي أهم الجوارح في الإنسان ، ورئيسها الفؤاد أو القلب ، وهو أشرف الثلاث ، والقلب موضع الفكر ، وقد يتأثر بالسمع والبصر لما بينها جميعا من ارتباط هو ارتباط الظاهر بالباطن ، فالقلب للباطن ، والسمع والبصر للظاهر . والسمع في الترتيب يأتي أولا ، لأننا نسمع أولا ، فإذا سمعنا توجهنا بالبصر إلى ما نسمع ، فإذا سمعنا وبصرنا عقلنا ، والعقل بالفؤاد ، قال تعالى : أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( النحل 78 ) ، فعند ما نولد لا ندرك ولا نعلم ، ثم يأتي الإدراك والعلم من بعد . وفي السمع إثبات النطق ، لأن من لا يسمع لا يتكلم ، وإذا وجد السمع وجد النطق . واستوجبت النّعم الثلاث الشكر على من يسمع ويبصر ويعقل ، فإذا لم يعقل ويشكر فإنما لفساد القلب ، وبالتالي فكأنه لم يسمع ولم يبصر : أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ ( النحل 108 ) فتعطّل السمع والبصر نتيجة لتعطّل القلب ، وهذا هو معنى : طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ ، كقوله : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ ( البقرة 7 ) ، فالختم يكون على القلوب وعلى السمع ، والغشاوة تكون على الأبصار ، ومعنى الختم على القلوب عدم الوعي بمخاطبات اللّه بالتفكير في آياته ؛ ومعنى الختم على السمع عدم فهم ما يتلى عليهم من آيات اللّه ، أو الدعوة إلى وحدانيته ؛ ومعنى الختم على الأبصار عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته ، ولا أقل في هذه الحالة من أن يوظّف السمع والأبصار ، والحسىّ عموما ، لرصد ما يصنعه كل إنسان ، كقوله تعالى : حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( فصلت 20 ) . ويزعم المستشرقون : أن القرآن جعل الأبصار جمعا ولكنه وحدّ السمع ، وكان يجب أن يجمع الأسماع ؟ والجواب : إنما وحّده لأنه مصدر يقع للقليل والكثير ، وهو اسم للجارحة المسموع بها سمّيت بالمصدر . ويأتي السمع مع الأبصار عشر مرات في القرآن ، ولم يأت السمع مع البصر إلا مرة ، كقوله : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا ( الإسراء 36 ) ، وفي المرات العشر فإن لكل قلب وبصر ما يشغله ، ولذا كان التعبير عنها بالجمع ، فإن كان السمع للجميع واحد ، نقول سمعا ولا نقول أسماعا . وفي الحديث عن هذه الجوارح باعتبارها أعضاء أوردها مفردة ، فالفؤاد في الآية كجارحة يسأل عمّا افتكر فيه واعتقده ، والسمع والبصر عمّا رأى من ذلك وسمع ، وعبّر عن السمع والبصر والفؤاد « بأولئك » ، لأنها حواس مستقلة لها إدراك ، وجعلها في هذه الآية مسؤولة ، وجعل لها وللجلود - وهي من الحواس أيضا - شهادة . ومجىء السمع